يقتدي معظم السجناء " لَمْغَارْبَا " بمجموعة من الأمثال الشعبية، من قبيل : " الحَبْسْ للرَّجَالاَ " و " مَتَيْدَخْلُو لِيهْ غِيرْ اللِّي كَادِينْ بِيهْ " أُزِيدْ أُزِيدْ... و إجمالا يمكن تصنيف هذه الأمثال ضمن ما يسمى ب " الأَمْثَال الحَبْسِيَّة " .
لا شك أن السجين – فَكَّ اللهُ أَسْرَهُ – يجد متنفسا كبيرا في تِرْدَادِ هذه الأمثال و غيرها، مع زملائه، أو مع أقربائه وعشيرته حين زيارتهم له. الأمر الذي يخفف – نوعا ما – حدة الأزمة النفسية التي يعاني منها .
وإذا نظرنا بالعين البصيرة إلى هذه الأمثال " الحبسية " ألفيناها مخالفة للواقع كل المخالفة، فالمثل " الحبس للرجالا " مثلا، يعني – فيما يعنيه – أن الرجل الذي لم يَحْضَى بعقوبة حبسية في حياته مشكوك في رجولته، بل هو رجل لا يحمل من الرجولة إلا الاِسم... وإذا سلمنا بهذا الطرح " الحَبْسِيِّ " فهذا يعني أن رجالات المغرب " تَاعْ بْصَّحْ " يقبعون داخل السجون، وما دون ذلك مما قد تصادفه عيناك خارجها فهو لا يعدو أن يكون إلا أشباهَ رجالٍ، أو أسماءَ رجالٍ، أو " رْجَالْ دَلْمِيكَا" أو نساء على أحسن تقدير .
جملة القول، إن هذه الأمثال مجانبة للعقل والمنطق شكلاً ومضنونًا،حيث لا يستقيم – بأي حالٍ من الأحوالِ – أن نتهم/ نرمي أناسا شرفاء ذنبهم الوحيد هو أنهم اقترفوا " جريمة " عدم الدخول إلى السجن، وننعتهم جراء ذلك بنعوت منافية للمروءة والرجولة .
ولا مَلاَمَةَ ولا تَتْرِيبَ على السجين المبدع، لأنه اجتهد و تكبد مضايق التفكير والخيال حتى جادت قريحته بمثل هذه الفرائد من الأمثال، وعلى أي حال فله أجر واحد عملا بمقولة " للمجتهد أجران " كونه أخطأ في اجتهاده .
ولا إخال أن صاحبنا " المدني/العسكري " اجتهد حين ظن أن العقوبة الحبسية التي قضاها جراء المعركة الأولى، ستشفع له و لأمثاله، و تجعل المزامطة يعبدون له الطريق ويفرشونها بالرياحين . فما إن أطلق سراحه بقليل، حتى سارع " البطل " ليشرع لنفسه ومع نفسه قانونا يقضي بمشروعية الطريق في الأراضي التمزموطية .
و كأني به صَدَّقَ ما جاء في " الأمثال الحبسية " ، و راح يسابق الزمن ليقيس مدى فحولته مقارنة مع " رجال دلميكا " ، فَأَعَدَّ العدة لذلك الغرض و " شَارْجَا الكَامِيُّو " و انطلق متجها نحو بلدته عبر تمزموط . وبينما هو كذلك تفاجأ عند مَعْبَرِ " إمنغرم " بحاجز بشري من المزامطة الأحرار يقفون وقفة رجل واحد و يحولون دون مروره ، و من حسن حظه أنهم اتصلوا بالسلطات لتتولى أمره، و لو قُدِّرَ و تعرض لمحاكمة جماهرية تمزموطية لأضحى أهله اليوم يدعون له بالرحمة والمغفرة جراء فقدانه .
ثم كان، و حضرت السلطة ، و اتخدت الإجراءات القانونية في حقه؛ حيث تمت متابعته قضائيا، و سحبت منه أوراق " الكاميو" وما أدراك ما " الكاميو " ، الشيء الذي ألزم " البطل " ـ حسب مصادر موثوقة ـ دفع غرامة مالية قدرت ب " جُوجْ دْلَمْلاَيْنْ " مقابل استرجاع أوراق " الكاميو التحفة " ايه، " مَنْ سَعْدْ اللِّي شَدْهُمْ " .
ليعلم أخيرا، أنه من " وزن الريشة " من حيث الرجولة، وأن ممرات تمزموط لم ولن تكون طريقا عموميا لبني صعلوك، و أن معبر " إمنغرم " بوابة الصعليك إلى جهنم و بئس المِهَاد .
لكن الأسئلة التي تفرض نفسها في مثل هذه المواقف هي من قبيل : كيف يمكن لمجرم خرج لتوه – " بَاقِ مَسَخَّنْ بْلاَصْتُو " – أن يقترف الخطأ ذاته الذي زَجَّ به في السجن ؟ ألا يعاقب القانون ب " الضُّوبَلْ " في مثل هذه الحالات ؟ ما هي العقوبة القانونية في حالة ارتكاب نفس الذنب ؟ ألا يؤكد هذا مقولة " بِالتَّكْرَارِ َيتَعَلَّمُ الحِمَار " .
بقلم؛ س، أ
حي الانبعاث
سلا
22 نونبر 2009
