خلق الله تعالى الإنسان و ميزه عن سائر المخلوقات و كرمه بالسمع و البصر و اللسان،وسائر الحواس الأخرى التي تحفظ تواصله مع الكون،وسيطرته عليه ،وحمله الأمانة وحده دون سائر الخلق،واصطفى بعضا من بني البشر لشرف الوحي ،و حمل الرسالة وتبليغها، و خلق التواصل بين السماء و الأرض...
جعل الله في الإنسان ما يعجز المتأمل و يبهر المتبصر، و مكنه من قدرات عقلية لايعلم حدودها إلا خالقها ،و ميز الله تعالى الإنسان بخصيصة هي السر في تألقه و قدرته على مراكمة التجارب و المعارف ،و بالتالي تحقيق الرفاهية و تيسير عسير الحياة..هذه الخصيصة هي القدرة على الكلام،و لكي تكون اللغة خادمة هذه المصالح بطريقة تلقائية طبيعية جعل الله تعالى الإنسان كائنا اجتماعيا،وهكذا،أمكن للإنسان أن يمد الجسور إلى العقول و يحقق بالتالي رغباته و يعبر عن أفكاره ؛و يشرك فيها من يطمئن إليه ،و يتوسم فيه المعونة و الأفضلية و التجربة و السداد ومعروف جدا أن رأس الإنسان لا يعرف -من دون الله-ما يجول به من أفكار و نوايا و خواطر...لكن بالحوار يتكشف الغموض بطريقة اختيارية و انتقائية،حسب طبيعة المتحاورين و مدى احترامهم للأخلاقيات الحوار...
وكي نعرف أهمية الحوار نأخذ على سبيل المثال الطفل الصغير دون الحولين، فإ‘ن عدم اكتمال أجهزة الكلام عنده يخلق لأبويه حيرة كبيرة ومتاعب مطردة... رغم حرصهما على إرضاء رغباته و إيقاف بكائه..والأمر سيكون أشد إذا تعذر الحوا ر بين أشخاص كبار؛ كبرت معهم حاجاتهم و رغباتهم و اختلفت نواياهم خيرا و شرا...ومادامت الأرواح جنود مجندة ؛يتآلف منها ما تعارف،و يختلف منها ما تناكر، و مادمنا مأمورين بالتعارف بقوله تعالى"وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو"فإ‘ن الحوار شرعا و عقلا...يجب أن يكون من أولوياتنا نحن المؤمنون،و مادام الوجود الإنساني يتخذ أشكالا اجتماعية متعددة(أسرة،قبيلة، جهة ،وطن ،أمة...)فأني هنا سأحصر دائرة فائدة هذا المقال في شكلين من الحوار؛أولهما:الحوار الأسري،وثانيهما :حوار أبناء القبيلة الواحدة بينهم،ونقول وعلى الله متوكلين:يمثل الأب و الأم قوام الأسرة اللذان إذا صح أسلوبهما في الحياة تحقق انسجامهما،و إذا اتضحت رؤيتهما للحياة الزوجية سينعكس ذالك نجاحا على أبنائهما:فأول من يطالب بالحوار في الأسرة الأبوين من أول لقاء بينهما،ولا يمكن أن نتصور حوارا حقيقا بين شخصين لا يقدر أحدهما الآخر،لأن ذالك سيرخي حبل الحوار ويزرع بدور فشله من البداية،وفي المجتمع القروي عادة ما تكون المرأة-وللأسف-غير متمتعة بشخصيتها الكاملة ؛فهي دائما ضعيفة ؛ و الذكور دائما أٌقوى و أعلم...ومن هنا يغيب أحد الشروط الأساسية لحوار فاعل...و بالتالي انفراد الأب بالقرارات ولو كان يجانب الصواب لن تتجرأ الزوجة على تنبيهه،ولا الأبناء تأسيا بأمهم،وهذه احدى علامات الفشل الأسري و إحدى أسباب التباعد و النفور،و الغموض بين أبناء الأسرة الواحدة ،بل إحدى مبيدات البشاشة و السعادة،وطلاقة الوجه ،و ابتسامة الفم ،و رقة النظرة؛فترى خلاف ذالك بين الأبوين و بين أبناء الرحم الواحد حسدا مشتعلا،و أسرارا متوالدة’ونوايا سيئة متناسلة بين الأبناء ،بل و تجد مجهودات الأبوين في التربية تتبخر كأنها سراب ؛فالأبناء متباينين في شخصياتهم ،كل يجر ناحية منفعته الفردية ؛كأنهم لم تنسج خلاياهم تحت سقف واحد ،و بويضات من مبيض واحد،وهكذا يستقبل الأب زوجته ، و االاخ إخوته بجبين مقطب، وعينا متوعدة حانقة،وفما مزمما،كل ذالك بسبب غياب بلسم بمقدور الأبوين توفيره مند اللحظات الأولى لانطلاق عداد تزوجهما، منذ ليلة البناء ،بل وقبلها.فالحوار يا أزواج هو المفتاح الوحيد الذي يمسح الأخطاء ،و يضمد الجراح، و يجفف الدموع،و ينمي المودة ، و يذيق المحبة .الحوار يا إخوة عربون الأمان و الاطمئنان ومنعش زهرة الود ،وهدية االتصالح و المصالحة؛ فالحياة لا نضارة لها بدونه،و السعادة لا حقيقة لها خارج قنواته،فلتكن أنت إذا فات أبويك أوان بناء سبله مبادرا إلى تصحيحها و متصنعا وجوده ؛مثلما يتباكى بالقرآن من يريد الوصول إلى لذة الخشوع أذاقنا الله إياها..
نعم هناك أشياء ذاع انتشارها في الأسر،كإسراع الأب إلى مناداة الزوجة أو الأبناء بألقاب مكروهة و ربما بأسماء حيوانات...وهذا لعمري له آثار نفسية سلبية عميقة تحيل عذوبات الحياة الزوجية إلى غذاب،و الود إلى بغض،ولنا في رسولنا الكريم خير قدوة،فلم يسبق له أن سب زوجا له أو خادما بل حتى بعيرا،و تبث أيضا لدى المختصين أن قسوة الابوين تنشئ غالبا أبناء لهم حضور ضعيف لشخصيتهم و حضور اجتماعي باهت ،اضف إلى ذالك الخوف و الخجل ...إلا من رحم ربك.و تبت أيضا علميا أن التقويم المستمر للأبناء يؤدي إلى نتيجة سلبية،و أشركك عزيزي القارئ الآن في قضية تسود في القرى: يتجاوز فيها الشيء حده ؛فينقلب إلى ضده،هي"حب التملك"لدرجة تجعل الآباء يرنون الى امتلاك حتى أفكار أبنائهم و خياراتهم،بل أحيانا حتى زوجاتهم و نمط عيشهم......وهو الأمر الذي يوتر العلاقة،ويحد الصراع،وينزل اللعنات على أبناء لا حول لهم و لا قوة،ولاذنب ولا وزر .اللهم العيش في زمنهم و عصرهم،و الإخلال بالتطابق في الرؤى و التوجهات،..وقد تنبه أحد الخلفاء الراشدين عليه رضوان الله و نهى الآباء عن اكراه الآباء أبناءهم على العيش في زمن غيرهم؛وهو أمر واضح فعلا؛ لأن التشبث بالماضي كله بتقاليده و أعرافه جملة و تفصيلا أمر ليس حتما محمودا دائما ؛و هذا موضوع يستحق أن يفرد له مقال خاص. إذن الحل هو تقريب الهوة بين الأجيال أبناء و آباء وليس هذا التقريب ينجز خارج الحوار بمفهومه الحقيقي،خصوصا -يا آباء-في هذا العصر الذي تلاحقت فيه خطوت التقدم العلمي و نفرجت في المعلومة.....لكن الابناء غير معذورين في النزول الى آباءهم عملا بقوله عليه الصلاة و السلام"خاطبوا الناس بقدر عقولهم"لكن لابد للآباء أن يهبوا مسامعهم و عقولهم بكل روح فكرية و حوارية لتقبل أفكار أبنائهم على قلة تجاربهم و صغر سنهم،فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر،و الا سيبقى الكل في سجنه الاختياري،و ستكون الاسرة مسرحا للشرود و الصمت و الخلاف غير المبرر...
وما حدث لعبد الله بن مسعود دليلنا :حينما عجز الصحابة- على كبر سنهم-عن تفسير سورة الفتح مع رحابة نجاربهم مع القرآن و نجاج ابن عباس في ذالك على صغر سنه خير دليل لنا على توقع الصواب من كل أبناء التسعة أشهر من بني آدم"وفوق كل ذي علم عليم"
و استسمحك الآن أيها القارئ لأنتقل بك إلى اتجاه آخر من الحوار اقترح هذا المقال اشراكك فيه،بالنبش في أطرافه و فتح مغالقه،هو حوار ابناء القرية فيما بينه.
بدء، أظنه من المسلمات أن العلاقات الاجتماعية تختلف عن العلاقات في المدينة؛ ففي الأولى الكل تقريا يعرف الكل،و الكل يشارك الكل أفراحه و أتراحه.. الخير و الشر....
والزمن يمضي ببطء في القرية،خصوصا تلك القرى التي لا تعتمد على أنشطة اقتصادية متنوعة ومتعددة،و التي يشيع فيه تقريبا النشاط ألفلاحي وحدة،وما يزيد من ثقل رحيل الساعات تراجع انشغال الناس به بسبب ندرة المياه و تراحع المنتوج...ومن هنا يعم الفراغ الزمان و المكان و يبقى الكلام الوسيلة الملهية و المسلية،فهل الكلام أي كلام هو حل هذه المعضلة ؟بالتأكيد لا فالجلوس في الطرقات له ضريبة سنها الحديث الشريف من بعد على النميمة و فضول النظر....و اذن ،الحوار هو عيار الكلام و مقواده الذي يحول ما ذهب من الوقت الى ذهب،و الفراغ الى شغل،و السيئات الى حسنات ؛لكن في القرية يصطدم الإنسان بموانع لا شرعية لها و لا سند من عرف و تقاليد لم يسكت عنها الشرع ولم ينص عليها ،من قبيل"اورتا اتكيت أقرو اتكت أخنداف"تكيت تدولي اور تكيت السلوم"تاروا نيضكام".."كيميك انك".."........
فهي عبارات لم يعد لها مكان في عصرنا و لا في بلدتنا ،هي أسلوب انهزامي؛ لأنها تحد من قيمة الحوار، و تقتل في الشباب حماس الانخراط في الشأن المحلي،هذا الشباب الذي يضطر الى إزجاء وقته في الكلام السخيف من قبيل"إس أورتزريط.....هاد إسسقسا كيك .فيكون الجواب فخا و كمينا.. يعز هذا المقال على ذكر بداءته......
يبحر الشباب في هذا الكلام عديم الفائدة و الجدوى،بدل الإسهام في انتشال البلدة من أوحال يتنزه الأعيان و الشيوخ عن إشراكهم فيها، مع أن فيهم ذوي الحكمة و العلم و الرأي السديد و فقه الواقع....و الحال أن البلدة تتمرغ ظهرا عن بطن في مشاكل التنمية،و مشاكل التسيير المحلي ..واعتداءات الجوار و تسلط بعض رجال القانون وجورهم .و خروقات.أخرى...
إذن، هذا الشره أو الجوع إلى السلطة و الانفراد بانتقاء" المحاورين"ومواضيع الحوار ،يجب أن يشرك فيه كل من له حماس و تهمم ،و كفاءة حوارية،خصوصا في المواضيع المصيرية.و تحضرني هنا مغالطة موسمية يتعمد ارتكابها و يفتعل ،هي إهمال دور الإمام في النهوض بالشأن الديني :كتحديد وقت صلاة العيد مثلا ؛فنحن كل عام تصدع جدران مسجدنا بسبب الخلاف حول وقت صلاة العيد.و بالمناسبة و نحن نتحدث عن هذا ،فقضية طرحت لنقاش "نخبوي"بدون أدنى معايير شورية هي مسألة بناء المسجد؛ الذي عين له مكان المصلى ،فهذا مكان لا يستجيب لمعايير مكانة المسجد....ولن ادخل إلى تفاصيل هذا الموضوع وموضع بيت الله أكثر من هذه الإشارة هنا ، فمقالي سياقه غير هذا
إنني و الله ازدادا يقينا -و أنا اقترب من التشارك في ملكية هذا المقال لأشركك في ملكيته بعد أن كان يجول في خواطري وحدي- بأننا بحاجة إلى إرساء سفينتنا على بر الحوار و تعميق مرسانا عليه معارفا و أخلاقا...ازدادا اقتناعا بحاجتنا إلى دروس في فن السماع و الإنصات، و فن الرد و النقد ،و شروط الجلوس على موائد النقاش، و دروس في التواضع لقوة الحقيقة ورجحان الفكرة والرأي،تأسيا بأسلافنا الذين يقودهم علمهم الغزير و ورعهم إلى الفرار من التكبر و التعاظم،و العناد و المماراة.فعمر أمير المؤمنين اعترف أمام الملأ بخطئه و إصابة امرأة من عامة المؤمنين.إذن فالعزة في التنازل عن الفكرة لحامل الصواب سواء كان من علية القوم أو من " الرعاع"و النكد و الذل في التشبث بالخطأ و التكبر في عدم الاعتراف به.
إذن بدون الحوار نفقد الجسور إلى قلوب و عقول و تربية أبنائنا ،و بالحوار ينجح الأبوين في أداء مهمتهم دنيا و أخرى، و يفرحا بقرة أعبنهم وبمستقبلهم هنا وهناك في حياة الخلود ،و بالحوار أيضا يعم الأمن النفسي و الاجتماعي بين أبناء القبيلة الواحدة،و بين القبائل المتجاورة ،و يسود الحرص على الإصلاح والتنمية والتعاون و التقدم،وترمم الأخوة الدموية و الإسلامية و تصان..
توقيع: البدر اللطيف 19 شتنبر 2009
